محمد متولي الشعراوي
4225
تفسير الشعراوى
لم يكن من هذا المكان ، لأن لوطا وإبراهيم عليهما السلام كانا من مدينة بعيدة ، وجاء إلى هذا المكان فرارا من الاضطهاد هو وإبراهيم عليهما السلام ، وهذا يبين لنا أن لوطا طارىء على هذا المكان ، ولم يكن أخاهم المقيم معهم في البيئة نفسها . ولكنهم « قومه » لأنه عاش معهم فترة فعرف بعضهم بعضا ، وعرفوا بعضا من صفاته ، وأنسوا به . أقول ذلك لننتبه إلى دقة أداء القرآن ، فمع أن القصص واحد فسبحانه يضع لنا التمييز الدقيق ، ولم يقل لهم لوط : إن ربى نهاكم عن هذه العملية القذرة وهي إتيان الرجال . بل أراد أن يستفهم منهم استفهاما قد يردعهم عن العملية ويقبحها . وكان استفهام سيدنا لوط هو استفهام تقريع ، واستفهام إنكار ، فلم يقل لهم : إن ربنا يقول لكم امتنعوا عن هذا الفعل ، بل يستنكر الفعل كعمل مضاد للفطرة ، واستنكار فطرى . أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ( من الآية 80 سورة الأعراف ) وهذا يدل على أنه يريد أن يسألهم سؤالا إنكاريّا ليحرجهم ، لأن العقل الفطري يأبى هذه العملية : أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ . أي أن هذه المسألة لم تحدث من قبل لأنها عملية مستقذرة ؛ لأن الرجل إنما يأتي الرجل في محل القذارة ، لكنهم فعلوها ، وهذا الفعل يدل على أنها مسألة قد تشتهيها النفس غير السويّة . ولكنها عملية قذرة تأباها الفطرة السليمة . وكلمة « فاحشة » تعطينا معنى التزيد في القبح ؛ فهي ليست قبحا فقط ، بل تزيّد وإيغال وتعمق في القبح ومبالغة فيه ؛ لأن الفاحشة تكون أيضا إذا ما أتى الرجل أنثى معدة لهذه العملية لأنه لم يعقد عليها ، ولم يتخذها زوجا ، وعندما يتزوجها تصير حلّا له ، لكن إتيان الذكر للذكر هو تزيد في الفحش . وإذا كان هذا الأمر محرما في الأنثى التي ليست حلالا له ويعد فاحشة ، فالرجل غير مخلوق